هذه الليلة الخبيثة، تعرفُ كلّ الطرق التي تؤدي إلى التخييم في المنفى .. بضع شهقاتٍ وغربة، هل هو حقاً يبحث عن القيمة؟
اضطّرب عزفُ القرابين، صارَ النواح مستترا ً في الكون، حسّ بغيضٌ ومؤلم، أنينٌ خافت وهش، لكنه موجود .. ويؤكد استمراريته!
تعالي أنصتي للناي : إنّ ما يحكيه البوح لرجلٍ في خريف العمر؛ هو أن يظلّ منتظراً آملا .. لا يدركُ الكثير مما مضى سوى صور مشوّهة، آثامٍ لذيذة، وصدى لضحكات ردّها إليه المدى، دغدغ أوهامه وأوقظ الجنون فيه..
الجنون هنا.. يعني الهلع من الفقد والكثير من الرضا المرتاب، دعيني أقول لكِ أن كلّ هذه الوحشة.. ترتعد أوصافها من الداخل أكثر فأكثر، متجسّدة في عيون جاحظة، أنفٍ كبير، ظهرٍ محني، شعر كثيف جداً، غمازة تأبطها الزمن، وعلامة فارقة لأغنية هدّامة لا تفارق شريط ذاكرته : "لا .. مش أنا اللي أبكي!".
حسناً، لا أقول هذا كي أستجدي عاطفتك، إني أوضح أمراً قد يهمك:
لم يبك ِ حتى هذا اليوم، لم يبك ِ عندما انسلب فؤاده، ولا عندما فقد والدته ولم يبك ِ حين ارتوى بالفشل وأُتخم بالانهيار .. وهو لن يفعلَ ذلكَ الآن، لن يجازف على خسارة الملح واللهاث في قاع العمر..
لا مانع من الاحتمالات كي تصدقيني:
"لن يبكي" .. لو بكى لترنخ ما تبقى من أنفاسه بالهول والخشية من الندم..
الطامة التي ستحل بأشياءه الصغيره، رؤاه، غروره، مركزيته والعدم .. إن ترك كل ذلك و بكى!
لكن فلنفترض غير ذلك .. ماذا لو ضحك كثيرا ً وتأذت معدته واشتعلت بعد وجبة دسمة من "درب الظنون والآثام" وانهار الوتد الأبقى في عقله!
وماذا لو أنّّ اليقين قد رجاه جاهداً أن "استسلم" فخانته عيناه لينام .. إلى الأبد!
قولي لي الآن .. هل مازلتي تبحثين عن القيمة فيه؟ عن القيمة في رجل .. الحياة بالنسبة له كجبل وعر ومنجم ذهب لن ينضب، رجل تخاذل في بحثه عن القيمة في القوافي، خذل الجميع، انقلبت ظنونه وهماً كثيفاً.. واكتفى بالبحث عن الثمن!
**
**
موسيقى
- ....... لا مش أنا اللي أبكي
ﻣﺶ ﺩﻱ ﺭﺍﺣﺔ ﻗﻠﺒﻲ ﻭﻻ ﺩﻩ ﺍﻣﻞ ﺣﺒﻲ
ﺍﻟﻠﻲ ﺍﺗﻔﻘﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ
ﺍﺷﻤﻌﻨﻰ ﺍﻧﺎ ﻋﻬﺪﻙ ﺻﻨﺘﻪ ﻭﺭﻋﻴﺖ ﻭﺩﻙ
ﻭﺍﻟﻌﻤﺮ ﺩﻩ ﺣﻮﺍﻟﻴﻪ
ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻠﻲ ﺑﻴﺤﺒﻚ ﻣﺎﻟﻮﺵ ﺛﻤﻦ ﻋﻨﺪﻙ
ﻭﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ﻳﺮﺧﺺ ﻟﻴﻪ
ﺍﻧﺎ ﺭﺍﺡ ﺯﻣﺎﻧﻲ ﻫﺪﺭ ﻭﻻ ﻛﺎﻧﺶ ﻋﻨﺪﻙ ﺧﺒﺮ
ﻭﻋﺎﻳﺰﻧﻲ ﺍﺭﺟﻊ ﺗﺎﻧﻲ ﻻ *
"لا أدري إن كان يحصي نقوده الآن، أم أنه.. يدفع الثمن !
لكنها ظلّت تغني القوافي!"
لكنها ظلّت تغني القوافي!"
*غناء محمد عبدالوهاب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق